أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

433

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

فثمّ وراء النّقل علم يدقّ عن * مدارك غايات العقول السّليمة تلقّيته مني وعني أخذته * ونفسي كانت من عطائي ممدّتي وكان الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه إذا استغرق في الكلام وفاضت عليه العلوم يقول : هلا رجل يقيد عنا هذه الأسرار ، هلموا إلى رجل صيره اللّه بحر العلوم ، أو كلاما نحوه ، وكان يحضر مجلسه أكابر وقته كعز الدين بن عبد السلام وابن الحاجب وابن عصفور وابن دقيق العيد وعبد العظيم المنذري ، وكان عز الدين بن عبد السلام إذا سمع كلامه يقول : هذا كلام قريب عهد باللّه ، وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول : واللّه ما رأيت أعرف باللّه من أبي الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه . وكان في كل سنة يطلع إلى القاهرة ، ويجتمع عليه مشايخ القاهرة ومصر ومن بتلك الناحية ، فيفيض عليهم بالعلوم والمواهب الربانية والأسرار اللدنية ، فلما مات رضي اللّه تعالى عنه واستخلفه أبو العباس المرسي جعل يطلع إلى القاهرة كما كان يفعل شيخه ، فاجتمع إليه جماعة من أكابر مصر وعلمائها ، وقالوا : يا شيخ كان الشيخ أبو الحسن إذا جاء إلى هذا الموضع يجيء عندنا ، ونتبرك بقدومه ، وما نسمع منه من مواهب اللّه تعالى ، وأنت قد أقامك اللّه مقامه ، فنحب أن نتبرك بكلامك ، فقال لهم : إذا كان صبيحة غد نجىء إليكم إن شاء اللّه ، فلما كان صبيحة غد أمر أصحابه بالمسير إلى مصر وأمر بحمل رسالة القشيري رضي اللّه تعالى عنه . قال ابن الصباغ : فحملتها ووصلنا إلى جامع عمرو بن العاص فوجدناه قد امتلأ بأكابر أهل مصر وعلمائها ، فقال لي : منتقد ومعتقد . قال : فجلسنا بشرقي الجامع ، فقال : اخرج رسالة القشيري ، فأخرجتها فقال : اقرأ فقلت : وما اقرأ ؟ قال : الذي يظهر لك ، ففتحنا الكتاب ، فوجدنا باب الفراسة ، فقرأت أول الباب ، فلما فرغت من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لي : أغلق الكتاب ، ثم قال : الفراسة تنقسم إلى أربعة أقسام : فراسة المؤمنين ، وفراسة الموقنين ، وفراسة الأولياء ، وفراسة الصديقين ، فأما فراسة المؤمنين فحالها كذا ، ومددها من كذا ، ثم تكلم بكلام عظيم ، ثم انتقل إلى فراسة الموقنين ، فتكلم بطبقة أعلى ، ثم قال : وأما فراسة الأولياء فمددها من كذا ، وحالها من كذا ، وتكلم في ذلك بكلام موهوب غير مكسوب أذهل عقول الحاضرين